صدمة جديدة اصابت الشعوب العربية مؤخرا عندما تم الكشف
عن فضيحة عمرها 46 عاما تتعلق بتزويد بريطانيا لاسرائيل
سرا بعشرين طنا من الماء الثقيل لمساعدتها على تطوير اسلحة نووية
وهذه هي المرة الاولى التي يتم فيها الكشف عن الدور الذي لعبته
بريطانيا في مساعدة اسرائيل على انتاج القنبلة الذرية
وظل هذا الدور منذ عام 1959 سرا من الاسرار
واذا اردنا ان نربط هذه الصفقة بالظروف التي تمت فيها
نجد هذه الفترة كانت فترة تراجع بالنسبة لبريطانيا في المنطقة العربية
وعلى الجانب الآخر كانت واعدة بالنسبة للاماني القومية العربية
ففي تلك الفترة لم تحقق بريطانيا فائدة من دورها في حرب السويس 1956
بل تهاوى نفوذها الى الحضيض نتيجة اشتراكها في العدوان الثلاثي
وخسرت العراق اهم قلاعها في المنطقة بانقلاب عبد الكريم قاسم
الذي اطاح بالحكم الملكي وقتل نوري السعيد الذي تبعه انسحاب
الحكم الجديد من حلف بغداد
وفي المجال العربي تعالى المد القومي بتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا
وازداد ضغط الشعوب العربية لتوسيع دولة الوحدة
مما يهدد بالقضاء على المصالح البريطانية بشكل كلي
ومن هنا نفهم السياق الذي جاءت فيه صفقة الماء الثقيل
الذي قدمته بريطانيا لاسرائيل بثمن بخس
وذلك لتأكيد التفوق الاسرائيلي العسكري على العرب
وضعضعة احوالهم للسيطرة عليهم وتأمين المصالح الغربية في بلادهم
اما اسرائيل فان سعيها لامتلاك الاسلحة النووية يعود الى وقت قيامها عام 1948
فقد قام فرع التخطيط والبحث في وزارة الحرب الاسرائيلية
بعملية مسح للكشف عن الموارد المعدنية في صحراء النقب
فعثر على احتياطي كبير من رواسب الفوسفات التي تحتوي على اليورانيوم
واثر ذلك بعثت اسرائيل بمجموعة من العلماء الشبان الى الخارج
للتخصص في مختلف فروع العلم النووي
وفي1952 صدر في اسرائيل قرار بانشاء اللجنة الاسرائيلية للطاقة الذرية
وقد انيطت بهذه اللجنة مهمات ثلاث هي !
1- تقديم النصائح للحكومة حول السياسات طويلة المدى لتطوير البحث النووي
2- الاشراف على تطبيق السياسات الحكومية المقررة
3- تمثيل اسرائيل لدى المنظمات الدولية والمعاهد العلمية الاجنبية
ولكن الاهداف الحقيقية لوكالة الطاقة الذرية الاسرائيلية
عند تأسيسها عام 1952 كانت انتاج اليورانيوم والماء الثقيل لبناء القوة النووية
مع توثق العلاقات الفرنسية – الاسرائيلية خلال حرب السويس 1956 وجدت
اسرائيل الفرصة مناسبة للبدء في بناء بنيتها التحتية النووية
فتقدم شمعون بيريس وكيل وزارة الحرب الاسرائيلية
بطلب شراء مفاعل نووي من فرنسا وبعد عام من المفاوضات
توصل الطرفان 1957 الى عقد اتفاقية بينهما لاقامة مفاعل نووي
في "ديمونة" في اسرائيل بطاقة 24 ميغاوات
ووسع الطرفان الاتفاقية لتشمل مساعدة اسرائيل في بناء مصنع لفصل البلوتونيوم
يبدو للمراقب ان العرب يعانون من نقص شديد في المعلومات عن اسرائيل
ولكن المأساة الحقيقية تأتي من القصور في عمق التفكير وفي الجدية في العمل
وهذا راجع الى اسباب ثقافية وتربوية في المجتمعات العربية
1- ان اسرائيل جزء من العالم الغربي لانها لا يمكن ان تتراضى مع العرب
وهي تستولي على بلادهم
2- وان اسرائيل ستحيط نفسها بجدار حديدي (وهو يعني به القوة المسلحة)
لا يستطيع العرب اختراقه
وكانت هذه الاستراتيجية التي اعتمدها دفيد بن غوريون في اقامة اسرائيل
بعد هذا يأتي سؤالنا الساذج ؟
لماذا اسرائيل هي الحليف الصحيح للغرب؟
قامت اسرائيل بطريقة عدوانية داخل نطاقين غريبين عنها
وهما عرقيا ويتكون من العرب في الشرق والشمال والجنوب
ودينيا ويمثله المسلمون في نفس الاتجاه وبوابتها الغربية هي
المفتوحة على الغرب الذي لا غنى لها عنه لانها مسألة حياة او موت
لذلك اسرائيل لا يمكنها فك تحالفها مع الغرب بينما يمثل تحالف العرب
والمسلمين مع الغرب خيارا مفتوحا اما اقتصاديا فان فلسطين ارض
فقيرة بلا نفط ولا زراعة فليكلفها اليهود بانفسهم
اما الاماكن المقدسة فقد فك الغرب العلماني ارتباطه بها منذ
امد بعيد ولا تدخل عنده في حسابات الربح والخسارة
وان قيام اسرائيل دولة يهودية (عرقيا ودينيا) يجعل عوامل
صراعها مع محيطها العربي والاسلامي سريعة الاشتعال
ويجعل الحرب بلا نهاية تستنزف العرب باستمرار وتقلق اليهود كذلك باستمرار
الامر الاخير ان المجتمع الاسرائيلي في جزئه الفاعل امتداد للمجتمعات الغربية
وفي تفاعل ثقافي واقتصادي وسياسي متواصل معها
بقي السؤال الخجول !
هل نستطيع ان نتحالف مع أنفسنا؟